صديق الحسيني القنوجي البخاري

421

فتح البيان في مقاصد القرآن

غيره من المعروف ، وإذا نهاهم عن منكر فعلوه وفعلوا غيره من المنكرات عنادا للحق وبغضا لاتباع المحقين ، وجرأة على اللّه سبحانه ، فإن هؤلاء لا يؤثر فيهم إلا السيف ، وهو الحكم العدل لمن عاند الشريعة المطهرة وجعل المخالفة لها والتجني على أهلها ديدنه وهجيراه كما يشاهد ذلك في أهل البدع الذين إذا دعوا إلى حق وقعوا في كثير من الباطل ، وإذا أرشدوا إلى السنة قابلوها بما لديهم من البدعة . فهؤلاء هم المتلاعبون بالدين المتهاونون بالشرائع وهم أشر من الزنادقة لأنهم يحتجون بالباطل وينتمون إلى البدع ، ويتظهرون بذلك غير خائفين ولا وجلين والزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإسلام وتحاماهم أهله ، وقد ينفق كيدهم ويتم باطلهم وكفرهم نادرا على ضعيف من ضعفاء المسلمين مع تكتم وتحرز وخيفة ووجل . وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة غير منسوخة وهي أصل أصيل في سد الذرائع وقطع التطرق إلى الشبه ، وقرىء عدوا بالضم وعدوا بالفتح ومعناهما واحد أي ظلما وعدوانا ، وعن ابن عباس قال : قالوا يا محمد صلى اللّه عليه وسلم لتنتهين عن سبك آلهتنا أو لنهجون ربك فنهاهم اللّه أن يسبوا أو ثانهم فيسبوا اللّه عدوا بغير علم . وقد ثبت في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ملعون من سب والديه ، قالوا يا رسول اللّه وكيف يسب الرجل والديه ؟ قال : يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه » « 1 » . كَذلِكَ أي مثل ذلك التزيين زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ من أمر الكفار عَمَلَهُمْ من الخير والشر والطاعة والمعصية بإحداث ما يمكنهم منه ويحملهم عليه توفيقا وتخذيلا ، وفي هذه الآية رد على القدرية والمعتزلة حيث قالوا : لا يحسن من اللّه خلق الكفر وتزيينه . ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ أي مصيرهم فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا من المعاصي التي لم ينتهوا عنها ولا قبلوا من الأنبياء ما أرسلهم اللّه به إليهم وما تضمنته كتبه المنزلة عليهم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 109 إلى 110 ] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ( 109 ) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 110 ) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ أي الكفار مطلقا أو كفار قريش جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أشدها أي

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 145 ، والترمذي في البر باب 4 ، وأحمد في المسند 2 / 164 ، 195 ، 214 ، 216 .